ابو القاسم عبد الكريم القشيري
396
شرح الأسماء الحسنى
عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ « 1 » ، هكذا ينبغي إذا أصبح ، أن يتوكل على ربه فلا يستقبله شغل إلا فزع إليه ونظر إلى ما يرد على قلبه من الإشارة من قبله فتندفع عنه الأشغال ويكفيه اللّه تعالى جميع الأمور ، فإن رجع بعد ما أرشده اللّه تعالى إلى هذا عاتبه اللّه تعالى بما يعلم أنه كان منه سوء أدب حتى يعود إلى سكونه وترك اختياره واحتياله . يحكى عن بعضهم أنه قال : كنت مع إبراهيم بن أدهم في السفر وقد أصابنا الجوع فأخرج كتابا كان معه بعد ما نزلنا في مسجد فقال لي : مر وارهن هذا الكتاب وجئنا بشيء نأكله ، فقد مسنا الجوع ، قال : فخرجت فاستقبلني رجل بين يديه بغلة موقرة ، وكان يقول الّذي أطلبه رجل أشقر طويل يقال له : إبراهيم ابن أدهم ، فقلت له : إيش تريد منه ؟ فقال : أنا غلام أبيه ، وهذه الأشياء له ، فدللته عليه ، قال : فدخل المسجد وأكب على رأسه ويديه يقبلهما ، فقال له : إبراهيم : من أنت ؟ فقال : غلام أبيك ، وقد مات أبوك ومعي أربعون ألف دينار ميراثك من أبيك ، وأنا عبدك فمر بما شئت ، فقال إبراهيم : إن كنت صادقا فأنت حر لوجه اللّه تعالى ، والّذي معك كله وهبته لك ، انصرف عنى ، فلما خرج قال : يا رب ، كلمتك في رغيف فصببت عليّ الدنيا ، فو حقك لئن أمتنى من الجوع لا تعرضت بعد لطلب شيء أبدا . انظر كيف أرشده اللّه تعالى بحسن الإشارة على قلبه لما رأى في إتمام ما قصده من طريق زهده . ومن إرشاد اللّه تعالى للعبد تثبيته إياه على طريق الملازمة والاستقامة حتى لا ينقص عزمه ولا يفسخ مع اللّه عز وجل عقده .
--> ( 1 ) القصص : 22 .